كل شيء أمامي يطير من وإلى اتجاهات متفرقة
بسرعات مختلفة، ولم يكن كا ما يطير بطائر.ارتفعت
قطعة بلاستيكية خفيفة تقلّبها الريح بارتباك،حائرةً
إلى أي أرضٍ تطير وسط هذا الجو المرعد.
كان هناك ثلاثة رجال في آخر الشارع الذي تطل
عليه النافذة التي وقفتُ عندها، ومن خلفهم امتدت جوقة
من الرمال المتطايرة، تحمل معها كومة من المهملات التي
أخذت تقرع الطريق في غناء سريع وناشز.
تمايلت أغصان الأشجار التي تكشف أوراقها
الصغيرة عن هزالها قبل أن تهطل قطرات من المطر
فوق السقف القرميدي لغرفة السائق. تسارعت
الأمور فجأة حين انطلق صوت مدوٍ اختلط ببريق
ساطع. اسبحت الآن تهطل بغزارة.
رحتُ أراقب رجلين على سطح بناء غير مكتمل.
كانا يتصايحان حول أمرٍ ما بخصوص الجو، وما لبثا
أن اعتمرا بقبعات وثياب ثقيلة، ثم عاود أحدهما إلى
صفّ الطوب بينما الآخر يطرق شيئا بصوت عالٍ.
لا شيء الآن سوى صوت رقيق لهتانٍ راح يخفت
أكثر عندما بزغ ضوء الشمس من بين السحب الرمادية
الكثيفة، وصوتٌ لمياه تجري من مكان ما.
تعالت ضحكات إحدى الرجلين، توقفتُ لأنظر وقد
تسللت ابتسامة على وجهي وأنا أتأمل المشهد الذي
أخذ يزخر بالحياة وسط الحركة الخلّابة لكل ما يحدث.
وتكتمل الصورة، هب سرب من الحمام محلقاً فوق رؤوس
المنازل التي بدت فوق الشارع المغسول، بحاجة إلى
مزيد من الطلاء.
أجفلني صوت آخر دخيل على المنظر الحالم من
تحت النافذة: "هلا والله بالعيال!" حين رأتني ابنة خالي
دون أن أنتبه لوجودها في فناء المنزل. عيالُ من تخاطبين
يا فتاة؟ قطبتُ ضاحكة. ولكن كانت هذه طريقة أخرى
لقول "صباح الخير".. وكان صباح الخير جدًا.
- أقصوصة وليدة لصباح ماطر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق