اعتدت على زيارة صديقتي أيام الجمعة في منزلها الملاصق لمنزلي، وربما كانت في بعض الأحيان في أيام الخميس، ثم نذهب لتلقي طرودنا البريدية إن كانت في انتظارنا، قبل أن ندلف إلى مقهى صغير محشور في أحد زوايا المباني. كانت هذه إحدى طقوسنا المعتادة. وربما كانت ستستمر لولا خبر تلقّيها لمنصب إداري كبير في شركة في غير مدينتنا. لم يكن بوسعي اخفاء شعوري بالحزن بعد أن أخبرتنيبذلك، سُعدت لها كثيرًا بادئ الأمر، ثم ما لبث أن تسرب الحزن في تيار المشاعر التي غمرتني حينها وامتزج لونها فأصبحت لا أميز بينها. أعربَت دموعي عما خالجني وفضحت أسرار قلبي، فما كان منها إلا أن احتضنت يداي في يديها وعينيّ في عينيها وقالت:
- عزائي الوحيد هو أنني سأكون مسرورة بمحادثتك كل يوم جمعة، والمراسلات مفتوحة بيننا، ستكون همزتنا متصلة دومًا، واللعنة لتلك الساقطة القاطعة.
ضحكت من بين الدموع ضحكةً صغيرة أزحت همًا كبيرًا، لا أدري كيف تستطيع أن تعرف الطريق لقلبي في أحلك الأوقات، كانت كمن يهتدي لمنزله في سواد الليل دون إنارة، وكان قلبي منزلها، وعلمتُ أنها ستكون موصولة به محفوفةً بدعواتي أينما كانت.